الذهب السائل في مهب الريح.. تقرير أممي يكشف "نزيف" قطاع العسل اليمني وصراع البقاء ضد الحرب والمنُاخ
صنعاء/عدن | تقرير استراتيجي
كشفت دراسة حديثة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) عن واقع مأساوي يغلف قطاع العسل في اليمن؛ فبينما يتربع "الذهب اليمني" على عرش الجودة العالمية، تنهش الحرب وتغير المناخ وتفتت سلاسل الإمداد أركان هذه الثروة، محولةً إياها من رافعة اقتصادية سيادية إلى قطاع يصارع من أجل البقاء.
أرقام الصدمة: إنتاجٌ يترنح ومستعمراتٌ تتلاشى
رسمت الدراسة "تحليل سلسلة قيمة العسل في اليمن" صورة قاتمة لمنحنى الإنتاج الوطني الذي تأثر بزلزال الحرب المستمرة منذ عقد:
• انهيار الإنتاج: سجلت البلاد تراجعاً مخيفاً في الإنتاج القومي للعسل بنسبة تجاوزت 50%، بينما فقدت المناطق الحارة نحو ربع إنتاجها السنوي.
• تآكل الثروة النحلية: تراجعت أعداد مستعمرات النحل بنسبة تتراوح بين 10 و15% نتيجة الدمار المباشر أو النزوح القسري للنحالين.
• الفارق التاريخي: بعد أن قفز الإنتاج من 600 طن عام 2000 إلى ذروته بـ 2750 طن عام 2017، عادت الظروف الراهنة لتكبل هذا النمو، تاركةً القطاع في حالة انكماش حاد.
ثالوث الموت: الحرب، المناخ، والآفات
لم تكن الرصاصة وحدها من أصاب النحال اليمني، بل اجتمعت عليه ثلاثة تحديات وجودية:
1. لوجستيات الحرب: تدمير الطرق الحيوية وتقطيع أوصال البلاد حال دون وصول النحالين إلى "المراعي النحلية" والأسواق، مما رفع تكلفة الإنتاج والفاقد.
2. التغير المناخي: تراجع منسوب الأمطار وتدهور غابات "أشجار السدر" —العمود الفقري لأجود أنواع العسل— وضع النحل اليمني في مواجهة خطر الانقراض.
3. غزو الآفات: انتشار الدبابير وذباب النحل في ظل غياب مراكز المكافحة والإرشاد الزراعي الحكومي.
مفارقة الـ 500 مليون دولار: ثروة معطلة
رغم القتامة، تؤكد الدراسة أن سوق العسل اليمني يمتلك طاقة كامنة تُقدر بنحو نصف مليار دولار سنويًا. وتظل محافظة حضرموت هي المعقل الاستراتيجي والأكبر إنتاجاً وتنوعاً، حيث يُصنف عسلها كأغلى وأجود صنف في العالم، مما يجعل هذا القطاع "طوق نجاة" لنحو 100 ألف أسرة ريفية تعتمد عليه كمصدر دخل رئيسي.
خارطة الإنقاذ: من "إدارة الأزمة" إلى "الهوية العالمية"
تخلص الدراسة إلى أن استعادة بريق الذهب اليمني تتطلب مصفوفة تدخلات عاجلة:
• الأمن أولاً: تحقيق استقرار ميداني يضمن حرية تنقل النحالين بين الأودية والمراعي.
• تحديث البنية التحتية: الاستثمار في تقنيات المعالجة الحديثة، ومرافق التخزين المبرد، وشبكات الطرق لتقليل الهدر.
• بناء العلامة التجارية: صياغة استراتيجية تسويقية عالمية تبرز "الهوية الفريدة" للعسل اليمني، وحمايته من التزييف عبر بناء علامة تجارية سيادية قوية.
• التحول نحو الاستدامة: تشجيع الإنتاج العضوي وحماية التنوع البيولوجي لضمان استدامة السلالات المحلية.
الخلاصة: إن قطاع العسل في اليمن يمثل "فرصة اقتصادية ضائعة" بامتياز؛ فبينما يلهث العالم خلف منتجاته الفاخرة، يواجه النحال اليمني الموت والفقر وحيداً. إن تحويل هذا القطاع إلى رافعة اقتصادية ليس ترفاً، بل ضرورة لإنقاذ مئات الآلاف من الأسر وتثبيت ركن أصيل من أركان الهوية والاقتصاد اليمني.
العسل اليمني.. ثروة بمرارة الحرب، تنتظر سلاماً يعيد لليمن حلاوته المفقودة.

